القرطبي
57
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وإنما لم يجاز ب " لو " لان سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل ، فلما لم يكن هذا في " لو " لم يجز أن يجازى بها . قوله تعالى : يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا رعنا وقولوا انضرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ( 104 ) فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا " ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهي المسلمين عن مثل ذلك . وحقيقة " راعنا " في اللغة أرعنا ولنرعك ، لان المفاعلة من اثنين ، فتكون من رعاك الله ، أي احفظنا ولنحفظك ، وارقبنا ولنرقبك . ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك ، أي فرغ سمعك لكلامنا . وفي المخاطبة بهذا جفاء ، فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها . قال ابن عباس : كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا . على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا ، وكان هذا بلسان اليهود سبا ، أي اسمع لاسمعت ، فاغتنموها وقالوا : كنا نسبه سرا فالآن نسبه جهرا ، فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم ، فقال لليهود : عليكم لعنة الله ! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه ، فقالوا : أو لستم تقولونها ؟ فنزلت الآية ، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه . الثانية - في هذه الآية دليلان : أحدهما - على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض ، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض ، وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا : التعريض محتمل للقذف وغيره ، والحد مما يسقط بالشبهة . وسيأتي في " النور ( 1 ) " بيان هذا ، إن شاء الله تعالى . الدليل الثاني - التمسك بسد الذرائع ( 2 ) وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد ابن حنبل في رواية عنه ، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة . والذريعة عبارة عن أمر
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 175 . ( 2 ) الذرائع ( جمع الذريعة ) وهي لغة : الوسيلة والسبب إلى الشئ .